الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )
376
رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية
لديه ، شرع في التكلم من كل باب وقال في أثناء الكلام : إن سلطاننا مرزا بابر غيور وعالي الهمّة ، إذا توجه إلى بلد وقصده لا يرجع عنه من غير أخذه . فقال له حضرة شيخنا : لولا حقوق جده المرزا شاهرخ في ذمتي ، إذ قد كنت في زمنه بهراة وحصلت أنواع الفراغة والجمعية ببركة عدالته لكان معلوما إلى أين يبلغ أمر المرزا بابر . فاتفقوا بالأخرى على الصلح واستدعى المرزا بابر خروج حضرة الشيخ للصلح عنده . ولما بلغ ذلك السلطان أبا سعيد لم يقبله واستبعده ، فأرسل حضرة شيخنا عنده مولانا قاسم عليه الرحمة ، الذي هو من كبار أصحابه للمصالحة ، قال حضرة شيخنا : سألت السلطان أبا سعيد عن سبب عدم إجازته بالخروج عنده للصلح ؟ فقال : إن المرزا بابر غلام ظريف فصيح ذكي ، جاذب للقلوب ، فخفت من ميلان قلبك إليه ، فتضيع أمورنا كلها ، فإن جميع أمورنا الدنيوية والأخروية منوطة بعنايتكم وموقوفة على التفاتكم . وقال حضرة شيخنا : سمعت أن المرزا بابر جاء إلى باب سمرقند مع جمع من الملاحدة مثل الشيخ زادة بيرقيام وأضرابه ، وقال لبعض أهل سمرقند : نحن إنما جئنا هنا لأجل أولادكم وبناتكم . فرقّ قلبي لأهل سمرقند من سماع هذا الكلام ، فإن الأكابر والصلحاء كثيرون فيما بينهم ، فكنت مشغول الخاطر يومين أو ثلاثة أيام لرفع شرور هذه الطائفة الباغية اللئام عنهم . وقال : إن صرف الخواطر لرفع الموانع ودفع الأعداء ليس بعيب ، وكانت همم الأنبياء عليهم السلام مصروفة إلى أمثال تلك الأمور مع استغراقهم في بحر التوحيد . وقال : كان لمرزا بابر دعوى في علم التصوّف ، وكان يذكر في مجلسه كثيرا من مقدمات هذا العلم . وكان الشيخ زاده بيرقيام في رفاقته ، وكان رجلا متصوّفا . وكان لمرزا بابر عقيدة صادقة في هؤلاء الطائفة العلية حتى صاح يوما من أيام المحاربة بصوت عال مضطجعا إلى جنبه على السور القديم أن : لا همّة للعارف ، لا همّة للعارف ، ونحن وإن لم نأخذ سمرقند لكن كان معلوما لنا أن حضرة الشيخ خواجة عبيد اللّه ليس بعارف حيث أخربنا بهمّته . * رشحة : قال حضرة شيخنا : إن المرزا بابر لم يعلم معنى هذا الكلام ، فإن معناه : إن العارف إذا تشرّف بالفناء وصار بحيث انطمس هو وجميع صفاته وذهب إلى إقليم العدم ، ولم يبق منه اسم ولا رسم ، لا ينسب إليه حينئذ ما صدر عنه .